السيد محمد حسين فضل الله
397
من وحي القرآن
لأنكم تملكون من العدد والعدّة ما لا يملكون . فهم في موقع الضعف ، وأنتم في موقع القوّة ، فلا تخافوا من الهزيمة . وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ أجيركم من كل سوء ، وأمنحكم القوّة عند الضعف ، وأثبتكم عند الاهتزاز . فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ ووقفتا في موقف المجابهة الحاسم ، وظهرت الغلبة للمسلمين على المشركين ، وبرز الإمداد الإلهي في أكثر من مظهر ، نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ورجع القهقرى منهزما في عملية تراجعية واضحة ، وفي حركة هروب من المسؤولية ؛ وتخلّى عن كل وعوده . وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ فليست لي علاقة بكم من قريب أو بعيد ، لأن المسألة بالغة التعقيد ، لما تحمله من نتائج المسؤولية . إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ مما يوحي بالهول والرعب والفزع والهزيمة إِنِّي أَخافُ اللَّهَ في عقابه وعذابه . وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ . وقد تحدثت الروايات الواردة في أسباب النزول عن تمثّل الشيطان بصورة شخص يدعى سراقة ، وعن حديثه مع قريش في المعركة ، بالطريقة التي تحدّثت بها الآية ، في ما وعدهم به في البداية وما خوّفهم منه في النهاية . وقد أنكرها بعض المفسرين لضعف أسانيد الرواية ، وحمل الآية على التصور الشيطاني الذي كان يسيطر على قريش في ما كان يوسوس لهم من الإحساس بالعظمة والزهو والكبرياء ، والشعور بالقوة المطلقة التي لا غالب لها . . . ثم تتابعت الأحداث لتقلب الوضع رأسا على عقب ، ولتواجههم بالهزيمة التي تتضاءل معها شياطينهم وما توسوس به وتدفع إليه ، تماما كما ورد في الآية الكريمة : كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ [ الحشر : 16 ] ، فإنّ الظاهر ورودها مورد الحديث عن الطريقة الشيطانية في الإضلال ، حتى إذا وقع الإنسان في الضلال ، ابتعد عنه ، وتركه يواجه المسؤولية بنفسه . وهذا ما عبرت عنه الآية الكريمة في قوله تعالى : وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ